• الموقع : المجلس الإسلامي العربي .
        • القسم الرئيسي : بيانات ونشاطات .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : شهر رمضان مدرسة التسامح .

شهر رمضان مدرسة التسامح

أغدق الله سبحانه وتعالى خصائص ومميزات على شهر رمضان، بما جعل له منزلة ومکانة خاصة جدا في قلب ونفس الأمة الإسلامية، فقد جعله عزوجل شهر الهدى والطاعة والغفران والخير والبرکة والإيثار والتسامح وتطهير النفوس وتقويمها مصداقا لقوله تعالى:"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"، حيث أنزل عزوجل في هذا الشهر القرآن الکريم الى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم تنزلت آياته بحسب ماتقتضيه حکمة ومشيئة الله تعالى.

*مفهوم الصيام في الإسلام تهذيب للنفس وليس تعذيبها

أهم ميزة لهذا الشهر الفضيل أن الله تعالى قد فرض فيه الصيام على المسلمين في نهاره، وللصوم کما هو معروف، آثار إيجابية کبيرة على العباد، إذ أنه يزكي أخلاقهم، ويطهر قلوبهم، ويصلح أنفسهم، وليس المقصود من الصوم تعذيب النفس بالجوع والعطش، بل تطهيرها وتزكيتها، كما دل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، والذي نريد هنا أن نلفت النظر إليه ونقف عنده، هو أن الخير الذي تقوم به في هذا الشهر المبارك لا يتحدد في المسائل المادية مع أهميتها فحسب، بل إنه يتعداها إلى المسائل المعنوية والروحية، ففي هذا الشهر يمکن أن يتم تجسيد التسامح والتأکيد عليه لأن الصيام والعبادة والصدقة وصلة الرحم والاعتذار من الذين ظلمناهم ومسامحة الذين آذونا أو سببوا لنا متاعب ومشاکل وبطبيعة الحال من دون أن يکون هناك استعداد للمسامحة في نفوسنا وعقولنا، فإن کل ذلك سيکون صعبا أو غير ممکن، خصوصا إذا لم يکن التسامح من الأعماق، ففي التسامح الذي طالما شدد وأکد عليه الإسلام في القرآن الکريم والحديث الشريف وماجاء عن الأئمة وفي سيرة السلف الصالح، أکبر قوة دفع وتأثير باتجاه نزع الکراهية والحقد والضغينة من النفس تجاه الناس وذوي القربى.

 

**التسامح فضيلة من فضائل رمضان 

التسامح له أجر کبير عند الله تعالى وهو أفضل زاد يحمله الإنسان معه إلى يوم لاينفع فيه مال ولابنون، وإن الذي يسعى لإبداء التسامح خلال شهر رمضان فإن أجره سيکون من دون شك مضاعفا، وما تأکيدنا على التسامح إلا لأنه يطهر النفس ويهذبها ويزكيها من الأخلاق السيئة كالأشر والبطر والبخل، وتعويدها على الأخلاق الكريمة؛ كالصبر والحلم والجود والكرم ومجاهدة النفس، فيما يرضي الله ويقرب منه، لايمکن أبدا أن يتحقق من دون أن يکون^ هناك في أغوار النفس الإنسانية استعداد للتسامح وغض النظر، حيث إن ذلك سيساعد على خلق أرضية مناسبة جدا لکي ينأى الإنسان بنفسه عن صفة مذمومة يرفضها الإسلام وينهى عنها وهي الأنانية التي تجعل الإنسان منغلقا عن الآخرين، فالتسامح لايمکن أبدا أن يتواجد في نفس تستقر فيها الأنانية وبعون الله ومشيئته فإنه إذا کانت للإنسان إرادة مستمدة من إيمانه فإن الغلبة للتسامح، والإنسان المسلم الذي تنتصر في داخله إرادة التسامح وحب الخير للآخرين يکون مصداقا للآية الکريمة(ويٶثرون على أنفسهم ولو کان بهم خصاصة)، ذلك أن الإسلام الذي أرسى قواعد الخير والمحبة والوئام والتسامح، طالب وأکد بأن لاتکون مصطنعة أو مفتعلة فالإسلام يرفض الرياء والنفاق والتظاهر بأمور لاتتواجد في أغوار المسلم، وإن من يفعل ذلك فإنما يخدع نفسه ولا أجر أو ثواب لما فعله لأنه لم يکن لله وإنما کان للنفس الأمارة بالسوء.

 

***رمضان شهر تفعيل الإيمان في أعماق الإنسان

شهر رمضان الذي هو رحمة ولطف وفضل کبير من الله تعالى على الأمة الاسلامية، أهم مافيه هو أنه يعمل على تفعيل الايمان في أعماق الإنسان والإيمان الحقيقي يتم التأکد منه عندما يضاء القلب به وتنبسط سريرة النفس به وتشعر برغبة غير عادية للقيام بکل مافيه خير للآخرين وللأوساط التي يعيش فيها، فمن خلال ضياء الإيمان الذي يشع في قلب وروح وعقل الإنسان، فإنه يحس بآلام الآخرين وحاجاتهم ويتيقن من أن مقاطعته ومخاصمته لفلان أو فلان بسبب کذا حالة سلبية، إنما هي حالة يمکن إصلاحها ومعالجتها ودفعها بالتي هي أحسن، أي بالمسامحة التي إضافة لما ستمنحه من شعاع نوراني للقلب والروح، فإنها ستدفع الآخر کي يعيد النظر في نفسه وحتى قد يبدأ بداية جديدة قد تجعله على أفضل مايکون.

 

****الصيام شعبة عظيمة من شعب التقوى، وقربى إلى المولى

ومن فوائد الصوم أنه يعرف العبد نفسه وحاجته وضعفه وفقره وحاجته المستمرة لربه، ويذكره بعظيم نعم الله عليه والتي لولاها لما کان کما هو الآن عليه، ويذكره أيضا بحاجة إخوانه الفقراء فيوجب له ذكر شكر الله سبحانه، والاستعانة بنعمه على طاعته، ومواساة إخوانه الفقراء والإحسان إليهم، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه الفوائد في قوله:(ياأيها الذين آمنوا کتب عليکم الصيام کما کتب على الذين من قبلکم لعلکم تتقون)، فالصوم في هذه الآية الکريمة هي من أجل تقوى الله أي مخافته، فالصوم وسيلة الإنسان المسلم من أجل أن يکتسب التقوى، والتقوى هي: طاعة الله ورسوله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه من إخلاص لله عز وجل، ومحبة ورغبة ورهبة، وبذلك يتقي العبد عذاب الله وغضبه، فالصيام شعبة عظيمة من شعب التقوى، وقربى إلى المولى عز وجل، ووسيلة قوية إلى التقوى في بقية شؤون الدين والدنيا.

 

*****رمضان فرصة ذهبية لفتح صفحة بيضاء خالية من المعاصي ومليئة بالخيرات

المطلوب من الإنسان المسلم، أن لايجعل هذا الشهر الفضيل يمر کما يمر العمر الذي لن تعود سنواته وأيامه، فکما أن التي قضاها الإنسان بالخير والتقوى والتسامح تمنحه قوة وغبطة وأملا وتفاٶلا لاحدود له، فإن تلك الأيام التي قضاها بما لم يرض الله تعالى تٶنبه وتقضي من مضجعه، ولکنه إذا ماعلم بأنه في طريقه لاستقبال شهر الطاعة وغفران الذنوب فعليه أن ينتهز الفرصة التي کما قال الإمام علي عنها:" إنتهزوا الفرص فإنها تمر مرور السحاب".

د.السيد محمد علي الحسيني

*الأمين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.


  • المصدر : http://www.arabicmajlis.com/subject.php?id=2161
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 05 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 13